الفشل الكلوي الحاد و الفشل الكلوي المزمن

يتجه الغلم اليوم إلى تبسيط الحقائق العلمية و جعلها في متناول الجميع من مختلف الفئات ، دون أن تكون حكرا على الأخصائيين فقط. فما يميز بين الشعوب و يصنفهم إلى درجات من شعوب دول متقدمة و شعوب دول نامية هو بالدرجة الأولى العلم.

فكلما زاد الإنسان علما ازداد رفعة و و انعكس ذلك على حياته في مختلف الجوانب و ازداد إزدهارا و تطورا. و العكس صحيح، فالإنسان الجاهل هو عدو نفسه.

و قد استطاع العلم أن يجعل ممكنا ما كان يظن في السابق أنه مستحيل. فأوجد الحلول و التفسيرات و بسط المفاهيم التي كانت غاية في الغرابة منذ زمن! هي ذي حركة العلم المباركة التي تذلل الصعوبات و تزيل العقبات و تجعل كل ذي شأن في متناول كل إنسان.

و سنتناول في هذا المقال الحديث عن عضو من أهم أعضاء جسم الإنسان و الذي لا يمكن للإنسان أن يعيش بدونه. إنها الكلية.

سنبدأ بالحديث عن تركيب الكلية و خصائها و مكوناتها و وظائفها ، و من ثم سنتناول الحديث عن القصور الكلوي الحاد و القصور الكلوي المزمن و نفرق بين كل منهما في التعريف و الأسباب و طريقة العلاج.

تشريح و وظائف الكلى

يتكون الجهاز البولي في جسم الإنسان من الكليتين و الحالبين و المثانة. و تقع الكلية في الخاصرة في مقابل الفقرة الظهرية الثانية عشرة و الفقرات القطنية الثلاث العليا خلف البريتون. و مستوى الكلية اليسرى أعلى قليلا من الكلية اليمنى لوجود الكبد من الجهة اليمنى، و يبلغ طول الكلية 13 سنتيمترا، و عرضها نصف طولها و سمكها نصف عرضها. و في كل كلية تقعر من الناحية الأنسية حيث تتصل بالأوعية الدموية و الحالب و الأوعية اللمفاوية و الأعصاب. و تغطي الكلية محفظة ليفية و بعدها لفافة من الشحم. و تزن الكلية ما بين 130 – 170 جراما.

تركيب الكلية

عند فحص مقطع طولي في الكلية نشاهد أنها تتكون من جزء خارجي يدعى القشرة و جزء داخلي يسمى النخاع. و تحتوي القشرة على الوحدات الكلوية المعروفة باسم نيفرون (أي كُلَية: تصغير كلية). و تحتوي كل كلية على مليون و نصف من هذه الوحدات الكلوية التي تقوم بتنقية الدم من السموم.
أما النخاع فيتكون من مجموعة الفصوص على شكل أهرامات تتجه قممها إلى حوض الكلية الذي يتلقى قمم الأهرامات و يصب في البول. و ينتهي الحوض بالحالب الذي يسير سفلا حتى يفتح بزاوية في المثانة تجعله يعمل على هيئة صمام يسمح للبول بالنزول من الحالب إلى المثانة ، ولا يسمح له بالرجوع من المثانة إلى الحالب إلا في حالات مرضية تعرف باسم الإرتجاع المثاني أو الحالبي.

الفشل الكلوي الحاد

ينقسم الفشل الكلوي إلى نوعان، الفشل الكلوي الحاد و الفشل الكلوي المزمن. فالفشل الكلوي الحاد يظهر بسرعة نتيجة أسباب قد لا تكون للكلى أي علاقة بها. و الأمل في إستعادة الكلى لوظائفها كبير، أما المزمن فينتج عن أسباب مرضية مزمنة أصابت الكلى، و بالتالي فإن إستعادة الكلى لوظيفتها أمر بعيد الإحتمال. و لا يبقى في هذه الحالة إلا تأخير تقدم المرض قدر الإمكان ، حتى إذا وصل إلى الفشل الكلوي التام أو شبه التام استبدلت وظيفة الكلية بالديلزة ( الكلى الصناعية) أو بزرع كلية جديدة من متبرع حي أو ميت. و قد يحدث قصور حاد يضاف إلى مرض سابق في الكليتين و يؤدي ذلك إلى تدهور سريع في حالة وظائف الكلى و يسمى قصور حاد على مزمن.

أسباب الفشل الكلوي الحاد

تقسم أسباب الفشل الكلوي الحاد إلى ثلاثة أقسام كالآتي:

أسباب ما قبل الكلى

و في هذه الحالة تكون الكلى في الأصل سليمة. و لكن تقل التروية الدموية للكليتين بدرجة شديدة بسبب نقص كمية الدم أو البلازما أو السوائل أو بسبب إنخفاض ضغط الدم الشديد أو هبوط القلب. و أهم الأسباب المؤدية إلى فقدان الدم النزف الداخلي مثل النزف من القرحة أو أثناء العمليات الجراحية الكبيرة أو من الحوادث، و النزف الخارجي مثل الكسور و الحوادث و الرعاف و البواسير.

و تعتبر حوادث السيارات و الطرق من أهم أسباب الفشل الكلوي الحاد. و ذلك لأنها تسبب النزف الشديد الداخلي و الحارجي، و تسبب صدمة (shock  ، و ينخفض بذلك ضغط الدم إنخفاضا شديدا، و تهرس العضلات هرسا فيؤدي ذلك أيضا إلى انطلاق خضاب العضلات ( المايوغلوبين) مما يسبب إصابة أنابيب الكلى و انسدادها ثم هلاكها و حرضها.

و تعتبر الحروق الشديدة من الأسباب الهامة لحدوث الفشل الكلوي الحاد، و ذلك لعدة أسباب: أهمها فقدان البلازما (سائل الدم) من موضع الحروق بكميات كبيرة ، و فقدان سوائل الجسم كذلك ، و حدوث الصدمة و إنخفاض ضغط الدم، و إنطلاق المواد السامة نتيجة الحروق و تأثيرها على الكلى و أنابيبها، و حدوث رد فعل يزيد من ضيق الرايين المغذية للكلى، و ذلك يزيد من قصور التروية الدموية.

و قد يسبب الإسهال الشديد مع القيء المتكرر و خاصة عند الأطفال فقدانا كبيرا لسوائل الجسم مؤديا إلى الجفاف (Dehydration) ، و هذا بدوره يؤدي إلى قلة التروية الدموية للكلى و انخفاض ضغط الدم ، و يؤدي ذلك إلى الفشل الكلوي الحاد.

أسباب متعلقة بإصابة الكلى ذاتها

هناك عدة أمراض تسبب الإلتهاب الشديد للكلى، و من ثم قد تسبب القصور الحاد في وظائف الكلى. و أهم هذه الأمراض المؤدية إلى الفشل الكلوي الحاد هو نخر (موت / تنكرز) الأنابيب الكلوية الحاد.

و أهم أسباب هذا النخر الحاد ما يلي:
  • حوادث السيارات أو الهدم أو الحرق.: و في هذه الكوارث الشديدة يحدث نزف شديد أو فقدان للبلازما (في الحروق) بكميات كبيرة ، فتحدث الصدمة و ينخفض ضغط الدم و تقل التروية الدموية للكلى بشكل كبير جدا مع حدوث إنقباض شديد في الأوعية الدموية التي تغذي الكلى و زيادة كبيرة في إفراز هرمون الرينين و الأنجيوتنسين في محاولة من الجسم لرفع ضغط الدم المتدني.
  • العقاقير: هناك العديد من العقاقير التي يستخدمها الأطباء و التي قد تكون بحد ذاتها سما ناقعا للكلى لدى بعض الأشخاص على الأقل . كما أن هناك مواد قد يتناولها الشخص عند محاولة الإنتحار أو مواد موجودة في البيئة تسبب تسمما حادا للكلى. و قد يحدث التسمم من البيئة ( السمك، السماد ، المزروعات) بالزئبق أو الرصاص و أحيانا الزرنيخ. و قد حدثت حالات تسمم واسعة بالزئبق في العراق بسبب وضعه في الماء بطريق الخطأ و أدى إلى وفيات عديدة و إصابة الكلى بالفشل الحاد.
  • تجلط في الشريان الكلوي: و هو أمر نادر الحدوث و أكثر ندرة أن يحدث في كلا الشريانين الكلويين أو فروعهما العديدة.

أسباب ما بعد الكلى

و في هذه الحالات تكون الكلى سليمة من الأساس . و لكن الإصابة تنتج عن إنسداد مجرى البول إما في الإحليل أو في المثانة أو في الحالبين معا، أو إنسداد حالب واحد إذا كانت الكلية الأخرى معطلة أو غير موجودة. و قد يكون الإنسداد بسبب حصاة أو تليف أو تضخم في البروستاتة أو البلهارسيا أو ورم سرطاني أو ربط غير مقصود لأحد الحالبين أثناء عملية جراحية. أو حدوث تليف خلف البيرتون ( غشاء البطن الداخلي) الذي قد يكون نتيجة تناول عقار الميشيسرجايد ( الذي كان يستخدم لعلاج الشقيقة) أو بدون سبب معروف.

و كل هذه الأسباب و غيرها يمكن أن تؤدي إلى وجود قصور حاد في وظائف الكلى، و إن كان الأكثر شيوعا هو إصابة مزمنة للكلى.

الأعراض و العلامات:

تلعب الأسباب المؤدية إلى القصور الكلوي دورا هاما في حدوث الأعراض و العلامات، و من أهم الأعراض و العلامات ما يلي:

  • قلة إفراز البول: فعادة ما يقل إفراز البول إلى 400 مليلتر أو ما دونها في اليوم (24 ساعة) . و يجب التفريق بين عدم إفراز البول أو قلته من الكلى و بين انسداد مجرى البول، ففي الحالة الثانية تكون المثانة ممتلئة بالبول لكن المريض لا يستطيع أن يتبول بسبب إنحباس البول، و عادة ما يشكو من ألم شديد و تعسر في عملية التبول.
  • اليوريميا ( البولينا العالية): أي تجمع البولينا و المواد السامة الأخرى في الدم و التي تفرزها الكلى، و تأثيرات هذه المواد السامة و الأملاح و الشوارد و الأحماض في الجسم.
  • الفشل الكلوي المزمن

إذا كان الفشل الكلوي الحاد ناتجا عن أمراض لا علاقة لها بالكلى في الأساس ، فإن الفشل الكلوي المزمن لا يقع إلا بعد إصابة الكلى لفترة طويلة من الزمن ( في معظم الحالات على الأقل).

أسباب الفشل الكلوي المزمن

إن من أهم أسباب الفشل الكلوي المزمن ما يلي:

  • إلتهاب الكلية الكبيبي و قد يطبق عليه اختصارا إلتهاب الكلى.
  • إلتهاب حوض الكلية المزمن.
  • أمراض تصيب الشرايين و أهمها إرتفاع ضغط الدم.
  • إنسداد المجاري البولية و أهمها وجود الحصى في الحالب أو المثانة أو الإحليل، و تضخم البروستاتة.
  • مرض البول السكري.
  • الأمراض المغراوية و المناعية مثل:
    الذئبة الحمراء.
    إلتهاب الشرايين المتعدد العجري.
    ج. الفرفرية التي وصفها هنوك و شونلاين.
  • أمراض وراثية و أهمها التكيس الكلوي و مرض ألبورت.
    داء النقرس.
    الإفراط في إستخدام الأدوية المسكنة و بعض العقاقير الأخرى.

الخلاصة:

تعتبر العقاقير و بالذات المسكنات من أهم أسباب الفشل الكلوي في كثير من الدول الأوروبية و في أستراليا. و يذكر كتاب “المرجع في أمراض الكلى” أن 20% من المرضى الذين يعالجون بالديلزة في أستراليا، كان سبب الفشل الكلوي لديهم تعاطي المسكنات بكثرة و لفترة طويلة . و ثبت في بحث أن 20% من حالات الفشل الكلوي لديهم تعاطي للمسكنات بكثرة و لمدة طويلة. و ثبت في بحث آخر أن 20% من حالات الفشل الكلوي في مصر ناتجة عن إستخدام العقاقير و تلوث البيئة.
فعلينا أن نذكر أنفسنا دائما أن لا شيء يعوض صحة الإنسان و عافيته ، و علينا أن نتبع نمط حياة صحي و أن نمارس الرياضة و نأخذ إحتياجاتنا اليومية من الماء و الأطعمة المفيدة، و أن نتجنب الأدوية و العقاقير إن لم تكن لحاجة طارئة جدا.